|
في العراق: المؤيدون للتيار الإيراني المتشدد ( يصارعون) المؤيدين للتيار الإيراني الإصلاحي ( وبالعكس) / ج1
بقلم سمير عبيد
إن فساد النظام العربي الرسمي وعجزه حيال الهجمة الإمبريالية الصهيونية وتواطئه معها والتآمر على القضية الفلسطينية ، وتصفية العراق العربي، وهدر دماء شعبه، وتدمير حضارته وتاريخه وأرضه وإخضاعه للنفوذ الإقليمي الكلي عقائدياً واستراتيجياً أتاح لايران أن تكون هي المنتصر في "اللعبة الكبيرة" و لا يوجد أمامها اليوم سوى التحالف الإقليمي والتعاون الاقتصادي مع القوى غير الإقليمية، والذي سيجر وراءه النفوذ السياسي والمعلوماتي والايديولوجي بل والعسكري ، وهو دور يقتضي أن تلعبه معها إسرائيل وأمريكا وأوربا وتركيا ، ويبدو هذا التحالف واضحا في العراق اليوم من خلال مد ايران لجسور العلاقات الاستراتيجية و الاقتصادية والتجارية والأمنية "المستقلة" مع كردستان العراق !.
وهذا النوع من السياسة يعني ان ايران لا تتعامل مع العراق ككيان سياسي واحد، وهو ما يمكن ترجمته بقبول ايران بتقسيم العراق ، وقد استفادت ايران هنا من التجربة الصهيونية في تمكين دولتها، واللعب مع الكبار بقواعدهم وإستراتيجياتهم ، والعامل المشترك الذي يجمع بين ايران وامريكا واسرائيل هو اقامة الامبراطورية على انقاض الامة العربية وتفتيتها وتذويب هويتها حيث أن مشاريعهم تمتاز بميزة الصراع المقصود لإلغاء الحضارات و تشويه التراث والتاريخ و القيم و تحطيم النسيج الاجتماعي العربي والمكونات الثقافية الأخرى لشعوب المنطقة . .
والعراق موطن الحضارة والإبداع الإنساني ،وهو الهدف الذي يمثل الاستحواذ عليه حلم إيران الكبير، والفرس أخذوا موقعهم في التاريخ كمتلقين للحضارة لا صانعين لها، فالديانة (الزرادشتية) لم تكن فارسية، وإنما أخذوها من (الميديين)، ولم يجدوا ما يكتبون به كلامهم إلا الكتابة المسمارية العراقية والآرامية العربية، ومع قبولهم بالإسلام بوصفه دين إلهي مكتمل،لم يقبلوا الذات العربية بوصفها الحاملة لهذا الدين، وإستراتيجية طهران الهادفة إلى جعل العراق منطقة نفوذ كاملة سياسيا وامنيا واقتصاديا لها تقتضي عزل العراق عن محيطه العربي سياسيا ونفسيا، واستخدام العصبية المذهبية لفتنة مزدوجة: فتنة سنية – شيعية، ثم فتنة شعوبية تستخدم الشيعة ضد العرب . . !
فالمشروع الايراني ليس مشروعاً أسلامياً ولا مشروعاً مذهبياً، وأنما مشروع قومي أيراني يتخذ من الاسلام والتشيع أدوات لبسط الهيمنة والنفوذ، وينطلق من سيكولوجية تحتقر العرب وتكرههم، ولكنه يتلاعب على عواطف العراقيين من البوابة العاطفية والفطرية وحب أهل البيت ،وتقديرهم لتشيعهم والذي هو تشيع لا يؤمن بالتوسع ألا وهو التشيع العلوي الذي ينهل من مدرسة أهل البيت ،ويؤمن بالوحدة والتآخي، وتقوية وحدة المسلمين والحفاظ على بيضة الإسلام دون التدخل أو تحريك النعرات الطائفية. . ،
ومن جهة أخرى فإن حالة العجز و الفقر والجوع والمرض والجهل التي تسود مجتمعاتنا العربية ولٌدتْ إحباطاً عاماً مهدَ وسهٌلَ للدولة الفارسية لأن تطرح نفسها كبديل (إسلامي) يملء ما يسميه الإيرانيون بـ (فراغ العجز القومي العربي)!.
فالنموذج الإيراني الثوري مثلا، استفادَ من فكر الإخوان فيما يُعرف بنظرية الإسلام الحركي لـ"ثقفنة" الثورة وأسلمتها ،كما يقول المفكر عادل علي عبدالله في كتابه "محركات السياسة الفارسية في المنطقة"؛ والفكر الإخواني تتبنى توجهاته حركة حماس الاسلامية في فلسطين ومن خلالها استطاعت ايران استغلال القضية الفلسطينية، وتوظّيف كل طاقاتها الإستراتيجية والتكتيكية واللوجستية لخدمة أهدافها العقائدية والسياسية العليا في فلسطين ، ووضعت الآليات الكفيلة لتغلغل نفوذها في نسيج العالم العربي، فتأييد إيران المباشر لحركات المقاومة يخضع لسياسة تصدير الثورة التي تصب في صالح المصالح القومية والأمن القومي لإيران ،
فإيران مثلا حاولت تفجير حرب فلسطينية - لبنانية على خلفية قضية 'فتح الاسلام' للضغط على الادارة الامريكية لتخفيف الضغوط السياسية على ايران، وابتزاز دول الاعتدال العربي المتضررة في لبنان، والتي تحتفظ بعلاقات مميزة مع واشنطن لرفع العقوبات عن طهران !
والمساومة الايرانية هنا مع واشنطن ودول الاعتدال العربي ومعها تركيا هي على "الموضوع العراقي" و "القضية الفلسطينية" التي تغلغلت فيهما التيارات الموالية لايران وأصبحت ممسكة بالمفاصل الحيوية في البنى السياسية والاجتماعية والديينة للمجتمع العراقي وكذلك الفلسطيني إلى حد ما . .
كما أن دعم ايران وتأييدها المباشر للحركات التي تطرح كمعارضة مسلحة في بلدها هو لبث بذور الفرقة والاختلاف بين الجيران والوحدات السياسية في المنطقة حتى تصل إلى أهدافها وتحقق مصالحها لتصبح القوة الاقليمية الأولى في المنطقة, وسيكون أهم باعث وأقوى موضوع مشترك بين القوى الأجنبية والحكومات الإقليمية هو مقاومة نمو التيار الإسلامي الذي يدعي بأنه يغذى من طهران ، فإيران تؤمن بأن لها دورا محوريا اليوم في "ملء فراغ" الساحة العربية سياسيا وعسكريا و اعلاميا، لكنها تختلف عن غيرها (القومية) لأنها تملك مشروعا عقائديا عالميا، يحمل تفويضا الهيا محرضا على التوسع الجغرافي والتغيير الديموغرافي فالدور الايراني المتشعب في العراق مثلا بات جزءا لا يتجزأ من كل مفاصل الدولة التي صيرها البعض ايرانية بإمتياز ! ،
والمراقب للأوضاع السياسية في العراق يلاحظ صعود نجم السياسيين العراقيين الموالين للتيار الاصلاحي داخل ايران ، فالبعض الذي يدعو لاقامة علاقات مميزة مع دول الجوار والولايات المتحدة والغرب هو في الحقيقة يتبنى بشكل غير مباشر توجهات الاصلاحيين الايرانيين الذين يتهمون الحكومة الايرانية بقيادة المرشد علي خامنئي بسوء استخدام السلطة واثارة الانقسامات بين ابناء الشعب الواحد، وبث بذور الفرقة والاختلاف ،
فالمعركة السياسية في العراق اليوم هي معركة بين التيار الايراني المحافظ المتشدد والتيار الايراني الاصلاحي... ويخطئ من يعتقد بأن الدور العربي الضئيل جدا يمكن مقارنته بالدور الايراني في العراق!.
فالسيد محمد باقر الحكيم، زعيم "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"، قال أن "حكومة ما بعد صدام ستدور بلا شك في الفلك الغربي. . ورجال الدين (العراقيون) سيكونون مثلهم مثل أي شخص آخر. إنها ستكون ديموقراطية بقيم إسلامية".
ومعروف أن هذا الشعار الأخير (أي الديموقراطية بقيم إسلامية) هو أيضاً هدف الإصلاحيين الإيرانيين في بلادهم. . فلا ينخدع البعض بالأصوات الطائفية المستهلكة التي تنادي اليوم بعودة العراق إلى حاضنته العربية ، فإيران اليوم من خلال اصدقائها في الحكومة العراقية تعتمد على الشعارات الوطنية، وشعارات الوحدة والعروبة كتكتيك مرحلي لتمكين مشروعها التوسعي في العراق من خلال أحزابها وشخوصها وقياداتها بعد أن نبذ العراقيون الطائفية الدخيلة على بلادهم و أصبح الشارع العراقي يتحسس من سياسة الاقصاء والتهميش العرقي والطائفي والتكتيك المرحلي التي تقتضيه ظروف كل مرحلة تمر بها "استراتيجية تصدير الثورة" يقتضي تحويل الخسائر إلى ارباح ومسايرة الظروف الآنية والعمل على احلال رابطة الطائفة محل رابطة الوطن في ولاء المواطن العربي كما نصت على ذلك "الخطة الخمسينية الايرانية" !
، والحقيقة فإن ايران بسياستها التوسعية تعمل ضد مصلحتها على المدى البعيد، فكما يقول هاجر تيموريان، وهو معلق سياسي إيراني يقيم في لندن، "أن حدوث مشاركة كبيرة لشيعة العراق في السلطة، سيكون بمثابة كارثة على النظام الإيراني، إذ سيتوافر للشيعة الإيرانيين حينذاك بديل واضح على بعد أمتار منهم"..!
بحيث أن التجربة الديمقراطية للشيعة العراقيين إن نجحت في العراق فسوف تصبح ايران خاضعة للعراق وليس العكس من خلال ثورة شعبية في ايران تطالب بإسقاط نظام ولاية الفقيه و بتطبيق نظام كالمعمول به في العراق !وهو احتمال وارد إلى حدا ما كما نقرأه في التاريخ . .!
ولكن الواقع اليوم لايقبل ترجيح الاحتمالات أو التنبؤ بما سيجري في المستقبل ، فإيران نجحت خلال عقود في تغييب المكون الثقافي لأكثر من خمسة ملايين مواطن عربي في اقليم الاحواز عن طريق تغليب العامل المذهبي على الوطني والقومي، ويعتبر المثال الأحوازي مقياس على قدرة ايران لقيامها بنفس الدور ضد المكون العربي في العراق اليوم من خلال محوه وتجهيله واغراقه بالخرافات المذهبية وثقافة التبعية للآخر تحت مسمى(تصدير الثورة الإسلامية في إيران إلى دول الجوار) ،
والعراق يمر بظروف استثنائية ويخضع للاحتلال الامريكي الاسرائيلي والايراني لذلك لابد من اتخاذ موقف عربي رسمي شعبي صارم وقوي لإحداث توازن سياسي في المنطقة ، وإن جاء متأخرا ، من خلال تقديم كافة أشكال الدعم المادي والمالي والسياسي والاعلامي واللوجستي العربي الحكومي والشعبي للقوى الوطنية العراقية لتتحرك بقوة داخل المجتمع العراقي، ولابد أن تكون تلك القوى ضمن اطار سياسي يسع جميع مكونات وأطياف الشعب العراقي لمواجهة المشروع الطائفي في العراق أولا ،وضرب استراتيجية القوى الاقليمية الطامحة لاحتلال العراق واخضاعه لنفوذها السياسي والاقتصادي والأمني ،
فإيران مثلا استثمرت مواقع السياسيين في العراق المنتمين إلى أحزابها وعملت على خلق فوضى داخلية مسيطر عليها من قبل أجهزة استخباراتها ،وهي استراتيجية اعتمدتها الكويت أيضا ،ولكن ايران تفوقت عليها في التوظيف السياسي للمذهب الديني في صراعها ذي الصفه الشموليه في الاتساع والسيطره مع العراق العربي . .
والحقيقة فإن القيادات الطائفية في العراق يمكن تصنيفهم ك"حثالة البروليتاريا" ممن يرون في الانتماء الروحي للدين أو الطائفة أو المذهب والتعصب له والدفاع عنه والموت في سبيل معتقداته خلاصا لعذاباتهم ويمكن تقسيمهم إلى رجال دين مراتبهم الدينية متوارثة يشعرون بدور الضحية المظلوم تاريخيا المستسلم للقدر، ويمارسون دور التحريض الطائفي في المجتمع العراقي على الآخرين ، وقيادات عسكرية تغلب على سلوكياتهم الطاعة العمياء التي ربتهم عليها المؤسسة الأمنية . .
والمؤسسة الدينية والأمنية هنا تجبر المنتمي لها على الخضوع للأوامر والاجبار على السمع والطاعة مما يسقطه في عصاب الدونية، والشعور بالظلم، فإذا توفرت له أسباب القوة التي حرم منها سنوات عمره وظفها في سبيل الدفاع عن القيم التي آمن بها وتربى عليها والتعصب للمعتقدات الخاصة به، والاعتداء على المخالفين، وعاث في الأرض فسادا ،وأغرق البلاد بالدم، خصوصا إذا كان الاعتقاد الديني لهذا الشخص يحرض على القتل والارهاب وسفك الدماء في تعاليمه ،وكان الشخص من الغوغاء والدهماء والعوام . .
والسلطة الدينية في الأنظمة الشمولية هي الحليف التاريخي للسلطة السياسية العسكرية ويشكلان مع بعضهما "هيئة قمعية" لحرية الرأي والتعبير . .
والعراقيون اليوم أحوج الناس لتعزيز التفاهم و التسامح والود فيما بن الأفراد والجماعات ونطمح في مقالنا هذا لتحقيق سيادة الشعب المحقّقة للمساواة بين كلّ المواطنين والدفاع عن الصالح العامّ العراقي . .
القوة الثالثة
2010-07-28
|